السيد محمد حسين فضل الله
68
من وحي القرآن
خطّ السير ب بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها فهي تجري باسمه وبإرادته وبقدرته ، وترسو وتقف باسمه وبإرادته وبقدرته ، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ فهو الذي يغفر لنا ذنوبنا التي أسلفناها بلطفه الإلهي ، وهو الذي يرحمنا في ما ننتظره من رحمة اللَّه في كل أمورنا المستقبلية . الولد العاق وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وسارت السفينة بهم وارتفع الموج حتى كاد أن يصبح كالجبال في علوّها ، وأيقن الجميع هلاكهم عندما أخذ كل شيء يغرق . وأسرع الكثيرون يطلبون الهرب ، ومن بينهم ابن نوح الذي كان قد تمرّد على أبيه ، فلم يؤمن بدعوته ، وعاش مع قومه تحت تأثير أمه ، في حركة الكفر ، حتى إذا جاء أمر اللَّه لم يصعد إلى السفينة مع من صعد ، فنظر إليه نوح وناداه وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ فقد اعتزل أباه يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا فهذا هو سبيل النجاة الوحيد ، وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ الذين سينتهي أمرهم إلى الهلاك . ولكن هذا الولد الضال العاقّ لم يلتفت إلى نداء أبيه ، لأنه يعيش التمرّد ضد رسالته ، أوّلا ، ولأنه لم يعرف طبيعة هذا الطوفان ، ثانيا ، قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ظنا منه بأنه سينجو ، لأن ارتفاع الماء إلى أعالي الجبل ليس أمرا طبيعيا ، قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ لأن القضية أبعد من الوضع الطبيعي المعتاد لصورة الفيضان عند الناس ، فالمسألة مسألة غضب اللَّه الذي أراد تدمير كل مظاهر الحياة الكافرة للبشرية ، على الأرض ، وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وأبوه ينظر إليه في حسرة ولهفة ، ولكنها ليست حسرة الأب الذي يفقد ولده في الدنيا ، بل هي حسرة الأب الذي